الحسكة – الموقع الزراعي
شهدت مناطق الجزيرة السورية خلال الأسابيع الماضية هطولات مطرية غزيرة، أعادت المياه إلى مجرى نهر الخابور في محافظة الحسكة بعد سنوات من الجفاف والانقطاع شبه الكامل. هذا التحول المائي لم يقتصر أثره على المشهد الطبيعي فحسب، بل امتد ليعيد الأمل إلى آلاف المزارعين الذين يعتمدون على مياه النهر لري أراضيهم، ويحيي مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الواقعة على سرير النهر وضفافه.
مشهد مائي غاب لسنوات يعود للواجهة
يُعد نهر الخابور، الذي يمتد بطول 460 كيلومترًا داخل الأراضي السورية، أحد أبرز الروافد الرئيسية لنهر الفرات وشريانًا زراعيًا حيويًا في منطقة الجزيرة. إلا أن السنوات الماضية شهدت تراجعًا حادًا في جريانه بسبب عوامل مناخية قاسية وبناء سدود على منابعه في تركيا، ما حول مجراه إلى برك متقطعة أو قاع جاف، مما ألحق خسائر فادحة بآلاف الهكتارات الزراعية التي كانت تعتمد على الري المباشر أو على المخزون الجوفي للنهر.
انتعاش الزراعة على السرير والضفاف
مع عودة الجريان، استغل المزارعون فرصة ارتفاع منسوب المياه السطحية ورطوبة التربة، وبدأوا فورًا بزراعة مساحات واسعة على سرير النهر. وقد شملت الزراعات محاصيل خضروات موسمية سريعة النمو مثل الخس، البقدونس، والسبانخ، إضافة إلى البقوليات وبعض المساحات المخصصة للقمح والشعري.
فاطمة السليمان، إحدى المزارعات اللواتي يمتلكن أرضًا صغيرة قرب مجرى النهر، قالت إن الموسم الحالي "يبشر بالخير"، موضحة أنها عادت لزراعة الخضروات بعد انقطاع دام ثلاث سنوات. وأضافت أن عودة المياه خففت الأعباء المالية بشكل كبير، حيث لم تعد مضطرة لتشغيل الآبار لساعات طويلة، مما وفر عليها تكاليف الوقود والطاقة.
أحمد العبد، مزارع من ريف الحسكة الجنوبي، أشار إلى أن الأراضي الواقعة على سرير النهر استعادت خصوبتها الطبيعية بفضل تشبع التربة بالمياه، وهو ما انعكس إيجابًا على سرعة نمو المزروعات وجودة الإنتاج. وكان العبد قد اضطر خلال سنوات الجفاف لوقف زراعة جزء من أرضه بسبب شح المياه وارتفاع تكاليف حفر الآبار.
الجفاف... سنوات من الخسائر المتراكمة
لم تكن السنوات الماضية سهلة على القطاع الزراعي في الحسكة. فقد أدت موجات الجفاف المتكررة وانخفاض معدلات الهطول إلى استنزاف المخزون المائي السطحي والجوفي، مما اضطر العديد من المزارعين إلى تقليص مساحاتهم المزروعة أو التحول إلى محاصيل أقل استهلاكًا للمياه، بينما تخلى آخرون عن أراضيهم بالكامل.
خالد المطر، من ريف تل تمر، وصف توقف جريان الخابور بأنه كان "ضربة قاسية"، مشيرًا إلى أن الآبار القريبة من النهر انخفض منسوبها بشكل كبير، مما استدعى حفر آبار أعمق بتكاليف باهظة. ويؤكد أن عودة الجريان، حتى لو كانت مؤقتة، أعطت دفعة معنوية ومادية للمزارعين.
قراءة فنية: بداية تعافٍ أم تحسن ظرفي؟
من الناحية الفنية، يحذر المهندس الزراعي سامر الحسين من التعامل مع عودة الجريان على أنها تحول دائم. ويوضح أن هذه العودة مرتبطة بشكل مباشر بالهطولات المطرية الأخيرة، وهي لا تعني بالضرورة استعادة التوازن البيئي والمائي للمنطقة.
وأضاف الحسين لموقعنا: "الجفاف أدى إلى استنزاف المخزون الجوفي وتراجع تدفق الينابيع المغذية للنهر. استعادة هذا التوازن تحتاج إلى عدة مواسم مطرية جيدة متتالية." وأكد على أهمية إدارة الموارد المائية برشادة، من خلال تنظيم السحب من الآبار الجوفية، والتشجيع على استخدام تقنيات الري الحديث كالري بالتنقيط، والتي تزيد من كفاءة استخدام المياه وتحافظ على المخزون الاستراتيجي.
كما نبه الحسين إلى ضرورة أن تتم الزراعة على سرير النهر وفق ضوابط محددة، لتجنب تعرض المحاصيل للضرر في حال حدوث أي ارتفاع مفاجئ في منسوب المياه أو فيضانات جزئية.
تحديات مستمرة واستدامة غير مضمونة
رغم التفاؤل الحذر الذي يرافق المشهد، لا تزال التحديات قائمة. فإضافة إلى تقلبات المناخ، يعاني المزارعون من ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج وعدم استقرار أسعار المحاصيل في الأسواق.
يبقى نهر الخابور، الذي شكّل تاريخيًا شريان الحياة للجزيرة السورية، اليوم في مرحلة اختبار حاسمة. فبينما تمنحه الأمطار فرصة لاستعادة حضوره وتعوض المزارعين جزئيًا عن خسائرهم، تظل استدامة هذا التعافي رهينة بسياسات إدارة المياه على المدى الطويل، وبتعاون الجميع للحفاظ على كل قطرة ماء في منطقة تواجه تحديات بيئية واقتصادية متشابكة.